العجيب في الامر انه بسبب الإصابة بالفيروس حسيت بالانتماء لمكان ما

في إقليم كردفان عندنا مقولة شائعة بتقول:” شبيهين ما بعيشوا” بمعنى انه اذا فردين في الأسرة بتشاركوا الملامح و الشبه لابد انه واحد فيهم ح يموت و واحد بس يفضل عايش، ثم شاءت الاقدار انه والدي يتوفى لما كنت في عمر السبعة سنين، فاللي حصل انه في كل مرة أمشي فيها مع امي لاي حتة أو يصادفنا شخص في الشارع فعلى طول يبادر الحديث بسؤال امي :” ده ولدك” ولما امي تجاوب بنعم ، فيطلق السامع حكم بانه انا اللي قتلت ابوي.كطفل كنت غير مستوعب لمعنى العبارة و الشي ده كان بيخلق جواي حالة لا توصف من الرعب و الإحساس بالذنب، فكنت اشرع في البكاء و اصرخ:” والله العظيم انا ما قتلته”

مر الزمن و كبرت في العمر و ادركت دافع الحكم بأني قاتل و على ماذا يستند، فتحولت العبارة من شي يبعث الخوف و الإحساس بالذنب إلى اعتقاد بانه انا ح اموت بالسرطان زي ابوي.ثم لاحقا كانت تقام ندوات في المدارس و حملات توعية بمخاطر ممارسة الجنس خارج الإطار اللي بيحدده المجتمع و بالطريقة اللي يشرعها الدين ، فبطبيعة الحال حملات التوعية كانت منطلقة و مدعومة بالمبادئ الدينية بخصوص الجنس و بتشوف انه فيروس نقص المناعة البشرية و غيره من الامراض المنقولة جنسيا ما هم إلا غضب و عقوبة إلهية للأشخاص اللي ما بيلتزموا بتعاليم و حدود الدين، و بطبيعة الحال كان القدر الأكبر من الذم و اللوم من نصيب أفراد مجتمعة الميم اللي بيتم اختزالهم جمعيا تحت وصف “لوايطة”.وبما اني لوطي و كنت متاكد و مقتنع جدا بهويتي، شكل الموضوع هاجس بالنسبة لي خصوصا انه النتيجة النهائية للفيروس قد تؤدي إلى الإصابة بالسرطان بحسب ما كان يروج في الاعلام و في وقتها ما كانت الأدوية بفعالية الأدوية المتوفرة حاليا. و بما انه اعتقاد الإصابة بالسرطان كان متملك دواخلي مسبقا فلكم أن تتخيلوا وقع الاخبار دي على نفسي

قد يتساءل البعض، ليه ده بيقول على نفسه لوطي و الكلمة دي بتحمل كتير من الذم ، الإدانة و التحقير، جوابي بكل بساطة انه المجتمعات دائما بتميل لإكساب بعض المفردات زخم معين عشان تخضع بعض أفراد المجتمع أو تقلل من شأنهم، و على مر التاريخ في كتير من المفردات اللي كان عندها معنى سلبي تحور المعنى و تم إلباسها شي من المعنى الإيجابي و العكس صحيح لدعم اغراض معينة و تثبيت مفاهيم محددة، بالاضافة إلى ملاحظتي لحقيقة احساس المتلقي بالإهانة يكسب القائل لذة و احساس بالقوة و الفوقية، فانا بكل بساطة بحرمه من احساس اللذة و الفوقية لما يكتشف أنه كلامه ما بأثر فيني زي ما كان هو متوقع. و بشكل أو بآخر نحن اللي بندي المفردات قوتها و تأثيرها سواء كان سلبي او ايجابي و انا ما بسمح انه ادي شخص قوة و افضلية بسبب مفردات أو غيرها من الأسباب

بالرجوع لتسلسل الاحداث، عشان اقلل من تأثير الهاجس ده حرصت دائما على أخذ تدابير السلامة قبل ممارسة الجنس، على عكس بعض الناس اللي بيمتنعوا عن الجنس ، لأن الجنس بالنسبة لي طريقة لتواصل عميق بين روحين اكتر من انه تواصل جسدي ، بالرغم من هلعي من الجنس بسبب الاغتصاب في عمر صغير.و لكن على ما يبدو أنه في بعض الأحيان الواحد ما بيقدر ينجح في النجاة من مخاوفه اللي استقرت في اعماقه و كأنه بيصبح زي مغنطيس بيقوم بجذبها في اتجاهه كلما بذل جهد في انه يتفاداها.لما الدكتور قال لي استناني في المكتب و ح اجي اوريك بنتيجة الفحص في تلك اللحظة قريت النتيجة في عيونه قبل ما يصرح بيها، و بكل صراحة أنا كنت متوقع و انا مؤمن انه انا اكتر انسان في الوجود على الاطلاق بيبحث بشكل دائم عن اعراض السرطان و الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية المكتسب.استقبلت الخبر بكل برود مع إنكار داخلي، و جزء من طبعي أنه أثناء الأزمات و الشدائد بكون أبرد من القطب المتجمد و ممكن اذوب فيما بعد

اذكر انه في اليوم التالي اتصلت بامي لاني كنت محتاج طاقة و هي دائما كانت بمثابة دينامو بيولد طاقة جواي و يدفعني للامام و لكن اكيد ما بقدر و لا ح اقدر اوريها باصابتي، و بمجرد ما رفعت السماعة ذاب الجليد و شرعت في بدء داومة بكاء هستيري، كانت قلقة جدا و بتسال فيني :”مالك يا ولد ، حاصل عليك شنو؟”. جاوبتها : ” انه انا تعبان من الحياة، ليه الحياة ما عايزة ترحمني و بتضرب فيني بكل قوتها، ليه انا اللي دائما بتلقى الأذى في حين أنه ما حصل اذيت انسان “. انا اؤمن انه الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية المكتسب تأثيره ما كان اقسى و أمر من التجارب اللي عشتها من عمر الخمسة سنين لحد الآن ، و الاعجب في الموضوع انه بفضل الإصابة انا حسيت بالانتماء لمكان . لما جيت السويد و قابلت الطبيب و من ثم بعدها قابلت المرشدة الاجتماعية و دلتني على منظمةPOSITIVA GRUPPEN SYDفي لحظتها حسيت بالانتماء و بالرغم من اني مشيت أماكن مختلفة في السويد لحد الان ، إلا أنه في كل مرة أمشي فيها للمنظمةبحس اني في بيتي و بين اسرتي و الاحساس ده عشت 28 سنة محروم منه ، و صدقوني ما بقدر اصيغ جمال و عمق الاحساس ده في كلمات لانه فايت حد الوصف او احتمال لاني بختبره للمرة الأولى.يمكن المفهوم ده يكون غريب شوية ، حتى بالنسبة لي و لكن أنا بعتبر اصابتي بفيروس نقص المناعة البشرية المكتسب منحة، لانه بسببه قدرت اجرب احساس حاجات افتقدتها مدة طويلة من الزمن. و على كل حال فيروس نقص المناعة البشرية المكتسب (ده في تفسيري الخاص و اكيد كل شخص ليه مطلق الحرية في عيش التجارب و تفسيرها بشكل فردي).ما ابشع من حوادث الاعتداء الجنسي اللي مريت بيها ، و لا حتى ابشع من التنمر و العزلة و عدم الاحساس بالانتماء بس لاني كنت مختلف